|
يسود الأوساط الإسلامية اليوم نوعان من الخطاب , يعتمد الأول مبدأ (اللين والتسامح)
بينما يعتمد الثاني مبدأ( المواجهة والقوة) وقد ترك هذا التنوع تشويشا وإرباكا عند المتلقي
في نظرته إلى الإسلام نفسه , لا سيما حين يدعم كل فريق وجهة نظره بعشرات الأدلة من
الكتاب والسنة الصحيحة إضافة إلى متطلبات الواقع وضرورة المرحلة .
ولو كان كل فريق يعمل في ساحة غير الساحة التي يعمل فيها الفريق الآخر (زمانا أو مكانا)
لأمكن رد هذا الخلاف إلى قاعدة (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان) لكن
الواقع أن هذا التنوع موجود في الساحة الواحدة , بل من المفارقات الغريبة أن تجد جماعة
إسلامية تعيش في بلد مستقر لم يتعرض للعدوان تجعل شعارها(السيف أو البندقية) وتربي
أتباعها على أدبيات(الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا) في حين تجد جماعة
أخرى في بلد محتل تجعل شعارها( سعفة النخل أو غصن الزيتون) وتربي أتباعها بأدبيات
(لا نثور ولا نثير ولا نستثار)! وهذا دليل على أن هذا التنوع ليس تنوعا في الخطاب ولا بحسب
ما يقتضيه الحال وإنما هو تنوع في الثقافات و(الآيديولوجيات) وقراءات مختلفة لنصوص الإسلام
ومناهجه, وهنا لا بد من ( قراءة تحليلية ) تعيننا على فرز المواقف وتوضيح الصورة :
يستشهد أصحاب التوجه الأول بجملة من الأدلة الشرعية والمعطيات الواقعية ومنها:
1- قوله تعالى(أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)
النحل/125 وقوله تعالى ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) العنكبوت/46 بل إن الله
قال لموسى وهارون عليهما السلام(اذهبا الى فرعون انه طغى, فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) طه/43-44
فإذا كان الله يأمرنا أن نخاطب (فرعون) باللين فكيف بغير فرعون ؟
2- إن (تحسين صورة الإسلام) أصبح الآن ضرورة للحفاظ على ( الجاليات الإسلامية
في الغرب) بل ولإنجاح مشاريع الدعوة هناك وربما لكسب التأييد الشعبي لقضايانا العربية
والإسلامية, و على هذا يوجه الكثير ممن يتبنون هذا الموقف لوما شديدا لـ (المجاهديـن)
لأنهم يشوهون صورة الإسلام والمسلمين في نظر الغرب ويعرقلون مشاريع (الدعاة) .
بينما يستشهد أصحاب التوجه الثاني بأدلة مقابلة ومنها:
1- قوله تعالى( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) الأنفال /60
وقوله تعالى( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) التوبة/73
فهاهو الله يأمرنا بالقوة والغلظة , بل انه تعالى قال في أبي لهب ( تبت يدا أبي لهب وتب)
اللهب /1 , وأبو لهب لم يغتصب البلاد ولم ينتهك الأعراض فكيف بهؤلاء الذين حاربونا في
في ديننا وأهلنا ومالنا ؟!
2- إن واقع الأمة وهي تتعرض لعدوان شامل يستهدف دينها ومالها وأرضها وسماءها
ليتطلب ثقافة تعبوية وخطابا يجمع صفها و يرفع معنوياتها لتنتقل من حال الذيلية والتبعية
إلى حالة الصمود والمواجهة وأن نشر خطاب ( اللين والتسامح) في مثل هذه الحال يشعر
الأمة بالخدر الكاذب ويساهم في تعميق حالة الإحباط والوهن , أما ( تحسين صـــــورة الإسلام ) فهي
لا تعدو في نظر هؤلاء إلا محاولة لـ ( لتحسين صورة الضحية ) في نظر
جلاديها!! وأما الطمع في أن هؤلاء سيرضون عنا حينما نقبّل أكفهم الملطخة بدمائنا فيكفي
للرد عليه قوله تعالى( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) البقرة/120.
إن هذا النمط من الاستدلال (الانتقائي) لكلا الفريقين يعقد الأزمة ويزيد من حالة الغبش والضبابية عند المتلقي البسيط , وهو يتساءل ببراءة عن الإسلام الذي أنزله الله ورضيه لنا
دينا كيف يأمرنا أن نلين مع فرعون وأن نشتم أبا لهب ؟! وكيف نجادل الكافرين بالتي هي أحسن
ونعد لهم ما استطعنا من قوة ؟! ولا زلت أذكر يوم صعد أحد الخطباء فـقارن بين
سيدنا محمد وسيدنا نوح عليهما السلام فقال: إن محمدا لم يدع على قومه رغم أنهم آذوه وقتلوا
أصحابه بل كان يدعو لهم بقوله( اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون) مسلم 2/108
أما نوح فانه دعا على قومه بقوله( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) نوح/62 فقال لي أحد
الحضور : كيف يختلفان وهما مرسلان من الله؟ والله يقول (فبهداهم اقتده) الأنعام/90 ؟! فقلت
: أنت أفقه من خطيبنا ! إن محمدا دعا على قومه في بعض الأحوال كما دعا نوح, وصبر
عليهم في بعض الأحوال كما صبر نوح , فقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قوله :
( اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف) صحيح البخاري 3206
وفي مسلم(اللهم عليك بأبي جهل ابن هشام وعتبة بن ربيعة ..) السراج /7/116 وعند ابن كثير
(اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم أحنهم الغداة) التفسير2/316.
إن القراءة التجزيئية لخدمة الأحكام والتصورات والمواقف المسبقة في هذا الموضوع وغيره
هي التي شوهت حقيقة الإسلام وعمقت الهوّة بين مختلف الجماعات والتيارات الإسلامية ,
وقسمتهم إلى(معتدلين) و(متشددين) أو(دعاة) و(مجاهدين) مع أن التشدد في
الحق هو اعتدال, وأن الدعوة إلى الإسلام هي دعوة إلى الجهاد لأن الجهاد هو من الإسلام ,
وبالتالي فكل هذه التقسيمات تقسيمات غير شرعية , وكل الذي نحتاجه أن نقرأ إسلامنا قراءة
منهجية تحليلية بعيدة عن الأهواء الشخصية والميول الحزبية , ولننظر الآن في هذه النقاط
التي ربما تعيننا في فهم الصورة الحقيقية التي يريدها الإسلام :
1-ان النصوص التي نراها لأول وهلة متعارضة في مدلولاتها هي ليست كذلك في حقيقة الأمر,
كيف والله تعالى يقول( كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير)
هود/1 ويقول(أفلا يتدبرون القران ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)النساء/82
وإذا تدبرنا القران فسنجد أن هذه الآيات ما جاءت لتعمل كلها في ميدان واحد, فان( ميدان
الجهاد) يختلف عن ( ميدان الدعوة) والإسلام شرّع لكل ميدان ما يناسبه , فالدعوة تهدف
إلى الإقناع والجهاد يهدف إلى دحر العدو, ولكي تقنع الآخر عليك أن تتسلح باللين والحكمة وسعة الصدر,
بينما إذا أردت أن تدحر عدوك فانك تحتاج إلى القوة والغلظة والشدة وحتى في الدعاء فليس
من المعقول أن تذهب لمناقشة الآخر وأنت تدعو عليه , كما أنه ليس من المعقول أيضا أن تلقى عدوك
في ساحة القتال وأنت تدعو له بالرحمة!! وهذا ما يفسر لنا التعارض الظاهري بين الكثير من
النصوص الواردة في هذا المجال.
2- إن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم تفسر لنا هذه النصوص تفسيرا عمليا كما قال الله
تعالى( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزّل إليهم ولعلهم يتفكرون) النحل /44 والرسول كان
(داعيا ومجاهدا) والصحابة الذين كانوا معه رضي الله عنهم كانوا أيضا( دعاة ومجاهدين) ولم
ينقسموا إلى حزبين أو مجموعتين تغلب إحداهما( الدعوة) وتغلب الثانية( الجهاد) !!
3- وإذا كانت الدعوة واجبة والجهاد واجبا ولا يمكن الجمع بينهما في ساحة واحدة
لأن الأولى تتطلب اللين والثاني يتطلب الشدة , فان من واجب المسلم أن يعرف الساحة التي كلفه
الله بالوقوف بها الآن لكي يستنزل النصوص التي تناسبه في ساحته هو , وهذا
في الإسلام لم يترك للميول والأهواء وإنما هناك كثير من النصوص جاءت لتحدد الساحة
التي ينبغي أن نكون فيها وعلى سبيل المثال لنأخذ هذا النص القرآني ( لا ينهاكم الله عن
الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب
المقسطين , إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم
أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) الممتحنة/8-9 فهذه الآية قسمت
الآخرين من غير المسلمين إلي صنفين : معتدين وغير معتدين , فالمعتدون لا يجوز للمسلم أن
يبرهم أو يواصلهم, والقاعدة التي تحكم علاقتنا بهم هي المقاومة ورد العدوان
, أما غير المعتدين فهؤلاء نصلهم ونحاورهم وندعوهم للخير, فالقضية إذن ليست اجتهادية ولا اختيارية .
4- وبما أن المسلمين أمة واحدة ( إن هذه أمتكم أمة واحدة ) الأنبياء/92 فالعدوان على
أي جزء منها عدوان عليها جميعا , فلا يصح أن ننظر للصهاينة على أنهم معتدون على
الفلسطينيين, أو أن الأمريكان معتدون على العراقيين بل إن الصهاينة والأمريكان معتدون
على كل من يقول لا اله إلا الله محمد رسول الله في أي بقعة من العالم , وما لم يكن هذا
الشعور موجودا في قلوب المسلمين اليوم فان خللا كبيرا قد تسرب إلي الآصرة الإيمانية
العظيمة التي تجمع المسلمين وهي عقيدة الولاء والبراء لتحل محلها حدود وهمية ومصالح
آنية لم تقدم لنا شيئا في الدنيا ولن تبرئ ذمتنا في الآخرة .
5- وإذا عرف المسلمون منهجية الإسلام هذه فلن يكون هناك مسلمون متشددون وآخرون معتدلون ,
كما لن يكون هناك مسلمون( دعاة) وآخرون ( مجاهدون) لأن الدعوة
واجب والجهاد واجب كالصلاة والصوم , فهل يصح لنا أن نقول ( جماعة المصلين) و
(جماعة الصائمين) !! والله تعالى يقول( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل
ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) البقرة/85
وقد أدرك الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه خطورة هذا المنهج الانتقائي فقال
( والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة) , فالمسلم الحق يسأل
متى أدعو ومتى أجاهد؟ ولا يسأل هل أنا داعية أم مجاهد؟
6- وإذا كانت ساحة الدعوة تتطلب قدرا كبيرا من اللين وسعة الصدر والمخالطة والمواصلة
والابتسامة والهدية ونحو هذا فان حمل السلاح في مثل هذه الحال أو التهديد
به غير مبرر بل ربما يتناقض مع الهدف الأساس للدعوة وهو ( الهداية) وبالتالي فان الجماعات
الإسلامية التي تتعامل مع محيطها الاجتماعي من مسلمين وغير مسلمين عليها
أن تستنزل كل حلم الأنبياء وصبرهم وأن تبتعد عن الخطاب التحريضي وليكن هدفها كيف تدخل
إلى قلوب الناس وكيف تحقق الرحمة الإلهية لهم(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)
الأنبياء/107 وفي مقابل هذا فإن ساحة الجهاد التي تتطلب قدرا كبيرا من القوة والإعداد لا يمكن أن
تسمح بأدبيات الدعوة فالصلة بالعدو والجلوس معه وتبادل الهدايا والابتسامات
يخل إخلالا كبيرا بالتعبئة ويثير الريب والشكوك داخل الصف الإسلامي نفسه , ومن هنا
نخلص إلى نتيجة مهمة :أن أخلاق الدعوة في الإسلام غير أخلاق الجهاد , واللبس في هذا
يربك الدعوة ويضعف الجهاد. وأذكر أنه أول سؤال واجهني في بغداد بعد الاحتلال هو:
ما حكم دعوة الأمريكان إلى الإسلام؟! فقلت لسائلي وكيف تدعوهم ؟ ألا تجلس معهم
وتخالطهم وتلين لهم بالقول وربما أكثر من هذا؟ قال نعم , قلت فكيف ستقاومهم وتحرض المؤمنين
على مقاومتهم ؟ وكيف سيفرق الناس بينك أنت وبين العميل الخائن ؟
7- وإذا كان واجب الأمة كلها أن تقاوم الغزاة المعتدين بكل إمكانياتها الميدانية
والفكرية والسياسية والاقتصادية فان هناك التباسات تنتج عن حالة المواجهة هذه ومنها
قضية الجاليات أو الأقليات المسلمة في الغرب, ولمناقشة هذه القضية لننظر في النقاط الآتية:
أ- إن بعض الأخوة الذين يعيشون في الغرب يريدون من الأمة الإسلامية كلها أن لا تدافع عن نفسها
بوجه العدوان حتى لا تتأثر مصالحهم أو مصلحة الدعوة!! في حين أن كثيرا من تلك الشعوب
التي تمارس حكوماتها العدوان يخرجون في تظاهرات مليونية ينددون بالعدوان , وكان يفترض
من الجاليات الإسلامية أن تمارس دورها الجهادي من خلال توسيع دائرة الرفض الشعبي
للعدوان وهذا أقل ما يطلب منهم ليبقى ولاؤهم للقرآن أقوى من ولائهم للجنسية الأمريكية .
ب- إذا افترضنا أن الدعوة الإسلامية في تلك المجتمعات ستتأثر سلبيا بتصاعد المقاومة ضد
جنود الاحتلال , فان القاعدة التي تحكم هذه المعادلة( أن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح)
فدفع العدوان عن أرضنا وعرضنا أولى بكثير من محاولة إقناع شخص أو أشخاص ما بالإسلام .
ج- كما أن فكرة( تحسين صورة الإسلام) يجب أن نتعامل معها بحذر إذا صدرت من
الجهات المشاركة بالعدوان على الأمة إذ أن هذه الفكرة ربما تخفي وراءها رغبة في تخدير
الأمة واحتواء ردة فعلها الشرعية والطبيعية بوجه العدوان, وإذا كانت تصدر من غير الجهات المشاركة
في العدوان فعلينا أن نقنعهم بأن مما يسيء للإسلام أن يصور الإسلام
أنه يقف مع الظالم ضد المظلوم وأنه يرضى بأن تنتهك حرماته وحرمات أتباعه من دون مقاومة!!
إن القصور في إعلامنا ووسائل التعريف بقضيتنا - وهذا ما نعترف به-لا يعالج
بالتنازل عن أصل القضية.
|